مصطفى لبيب عبد الغني
195
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
وليس الخلق - عند الرازي - والذي هو أمر كونى خلقا كيفما اتفق ولكنه آية على إبداع مبدعة : « فالحكمة دالة على حكيم حكمها ، والخلق على خالقها لا إله إلا هو » « 1 » . وبما أن الله « عز اسمه المتفضلّ على الكل المريد الخير للكل » « 2 » لزم عن خيرية الله ورحمته التسليم بالغائية وبالعناية في الكون ، فالله سبحانه هو « الذي قدّر فهدى » « 3 » . وفي معرض رد فلسفة أبى بكر الرازي والاستغراق في جزئياتها عند الخصوم ، نستشف من خلال النظر فيما أورده صاحب « المطالب العالية من العلم الإلهى » كيف أن فيلسوفنا تجاوز بعقلانيته الرحبة الحدود الضيقة التي ألزم المعتزلة بها أنفسهم في دعوى التحسين والتقبيح العقليين وجريانهما في أفعال الله وفي أحكامه وكيف كشف عن وعيه بمقتضيات التنزيه الحقيقي : فلله المثل الأعلى وليس كمثله شئ . وإنّ ما ذهب إليه أبو بكر الرازي من قوله بحدوث العالم وما ألزم به المعتزلة من إلزامات فمتوجّه عليهم و « إلزاماته لازمة عليهم » . وله مناظرة طويلة مع « أبى القاسم الكعبي » ولم يقدر الكعبي على الخروج من يده ، ومن الانفصال عن سؤالاته في مسائل التعديل والتجوير » « 4 » . * * *
--> ( 1 ) المصدر السابق ، نفس الموضع . وللرازي كتاب « في أن للإنسان خالقا متقنا حكيما ، وفيه دلائل من التشريح ومنافع الأعضاء تدل على أن خلق الإنسان لا يمكن أن يقع بالاتفاق » ( راجع ابن أبي أصيبعة : « عيون الأنباء في طبقات الأطباء » ص 421 ) ، وهو ما يورده البيروني في فهرست كتب الرازي ( رقم 137 ) . وله أيضا كتاب : « في أن للعالم خالقا حكيما » ( عيون الأنباء ، ص 423 ) . ( 2 ) الرازي : « الطب الروحاني » ص 48 . ( 3 ) قرآن كريم ، الأعلى ، آية 3 . وفي هذا المعنى يقرر « هوكنز » : أن الخلق كله مجال العقل والنظام ولو منح الإنسان استبصارا حقيقيا لما استطاع أن يجد خللا في الكون ، وحيثما يلاحظ عدم الانتظام فعليه أن يدرك أنه لم ير الصواب بعد . إن سلطان القانون الطبيعي الذي هو القانون الإلهى - موجود في كل مكان ، ويمكن القول بعبارة باركلى » : إن القوانين الطبيعية هي لون من ألوان التعبير اللغوي الذي يتحدث به الله إلينا ويرشدنا . Hawkins , D . The Essentials of theism , pp . 110 - 112 . ( 4 ) فخر الدين الرازي : « المطالب العالية من العلم الإلهى » ج 4 ص 419 ، تحقيق : أحمد حجازي السقا ، دار الكتاب العربي ، بيروت 1987 ، والكعبي هذا كان معاصرا للرازي وهو رئيس معتزلة بغداد .